ابن حمدون
338
التذكرة الحمدونية
أعرابية وهي توصي ولدا لها يريد سفرا وهي تقول : أي بنيّ ، اجلس أمنحك وصيّتي ، وباللَّه توفيقك ، فان الوصية أجدى عليك من كثير عقلك . قال أبان : فوقفت مستمعا لكلامها ، مستحسنا لوصيتها ، فإذا هي تقول : يا بنيّ ، إياك والنميمة فإنها تزرع الضّغينة ، وتفرّق بين المحبين . وإياك والتعرض للعيوب فتتّخذ غرضا ، وخليق ألَّا يثبت الغرض على كثرة السّهام ، وقلَّما اعتورت السهام غرضا إلا كلمته حتى يهي ما اشتدّ من قوّته . وإياك والجود بدينك والبخل بمالك . وإذا هززت فاهزز كريما يلين لمهزّتك ، ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها . ومثّل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به ، وما استقبحته من غيرك فاجتنبه ، فان المرء لا يرى عيب نفسه . ومن كانت مودّته في بشره وخالف ذلك منه فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرّفها . ثم أمسكت ، فدنوت منها فقلت : باللَّه عليك يا أعرابية إلا ما زدته في الوصيّة . قالت : أوقد أعجبك كلام العرب يا عراقي ؟ قلت : نعم . قالت : والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم ، ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة : ريطها وسربالها . « 994 » - وقال بعض الحكماء لابنه : يا بني ، اقبل وصيّتي وعهدي ، فان سرعة ائتلاف قلوب الأبرار كسرعة ائتلاف قطر المطر بماء الأنهار ، وبعد الفجّار من الائتلاف كبعد البهائم من التعاطف ، وإن طال اعتلافها على آريّ واحد . كن يا بنيّ بصالح الوزراء أعنى منك بكثرة عددهم [ 1 ] ، فان اللؤلؤة خفيف محملها كثير ثمنها ، والحجر فادح حمله قليل غناؤه .
--> « 994 » أمالي القالي 1 : 231 وهو من نصائح منسوبة لارسطاطاليس ، انظر مختار الحكم : 189 .